ابن الحسن النباهي الأندلسي

85

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

بقوله تعالى : لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ « 1 » . وفي حديث ماعز ، الثابت في الصحيح ، ما يدلّ على أنّ التوبة لا تسقط حدّ الزنا والسرقة والخمر ، وإنما تنفع عند اللّه . وروي عن الشافعيّ أنّ التوبة تسقط حدّ الخمر . وعلى كل تقدير ، فمن الواجب على من وقع في معصية ، وترتّب بسببها قبله حقّ للّه وللناس ، من دم ، أو مال ، أو عرض ، أو انتهاك حرمة ، أن يبادر أولا إلى التوبة ، ثمّ يرجع بعدها إلى الإقادة من نفسه للخلق ، والتحلّل من التبعات بجهده ، على الوجوه المقرّرة في الفقهيّات ، وأن يكثر مع ذلك مدّة حياته من العمل الصالح ومن الدعاء والبكاء ، وبخصوص فيما يرجع إلى الدماء . فالمنقول عن مالك ، وقد سئل عمّن كتب إليه وال في قتل رجل ، فقتله ، ثمّ أراد التنصّل والتوبة ، فعرض نفسه على أولياء المقتول ، وأخبرهم ، فقالوا : « لسنا بقاتليك ! إنّا نخاف إن قتلناك عاقبة ذلك » وعرض عليهم الدّية ، فأبوا أن يقبلوها ؛ فكان من جوابه - رضي اللّه عنه - أن قال : « أحبّ إليّ أن يؤدّي ديته إليهم ، وأن يعتق الرقاب ، ويتصدّق ، ويكرّر الحجّ والغزو ، وإن استطاع أن يلحق بالثغور ، ويكون فيها أبدا حتى يموت ، فهو أحبّ إليّ » . وفي الحديث : « أقيلوا ذوي الهيئات عثارهم » والمراد بذلك أهل المروّة والصلاح . وبيّنه ما روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « تجافوا عن عقوبة ذوي المروّة والصلاح » والمأمورون بالتجافي عن زلات ذوي الهيئات عند العلماء هم الأئمّة الذين إليهم إقامة العقوبات على ذوي الجنايات . والإقالة هي فيما عدا الحدود والزلّات التي أمر بالتجافي عنها ، هي ما لم يخرج بها فاعلها من أن يكون من ذوي المروءات والهيئات التي هي الصلاح . فأمّا من أتى ما يوجب حدّا ما قذف محصنة أو ما سوى ذلك من الأشياء التي توجب الحدود ، فلا يجب التجافي عنه ؛ لأنه قد خرج بذلك عن ذوي الهيئات والصلاح ، وصار من أهل الفسق ؛ فوجب إقامة الحدّ عليه ، ليكون ذلك ردعا له ولغيره - رزقنا اللّه الاستقامة !

--> ( 1 ) سورة المائدة 5 ، الآية : 41 .